الرئيسية » » أنا حر (قصة قصيرة)

أنا حر (قصة قصيرة)

بقلم Ahmed Negm الأربعاء، 11 ديسمبر، 2013 | 3:21:00 م

أنا حر

 

استطعت الكلمات فأبين أن يطعنني، جلست إلى الأوراق فانتحت جانبا واكفهر وجهها، حتى مداد القلم ذهب، بقيت والأوراق والقلم جزراً معزولة، بحثت داخل نفسي عن مركب ذو مجدافين أطوف بها بين الجزر لأصنع خطاً مفهوماً أستطيع من خلاله أن أستطيع الكلمات من جديد، وبعد جهد شديد ومعاناة خرجت بضع كلمات خاويات لا معنى لهن.

ومع إشراقة شمس لا أعلم متى كان، كانت كلمة واحدة هي التي تلح عليّ، تريدني أن أخطها على الأوراق ... وليكتمل الإشراق فقد وجدت قطرة مداد في قلمي باقية، وابيضت صفحة إحدى الأوراق لتستقيل تلك الكلمة، وكان لها ما أرادت أن خرجت من الوجدان إلى الورقة التي رحبت بها، وكانت الكلمة .... أنتِ

جف القلم وبقيت الكلمة وحيدة فوق الورقة تنظر إليّ، تناشدني أن استبقيها ولو وحيدة، ظننت أول الأمر أنني أستطيع أن أكتب غيرها ولكني لم أجد سبيلاً إلا أن أبدأ في تفسيرها فقط ولا أكتب غيرها.

وهنا امتلأ القلم مداداً، وبادرت الأوراق بالترحيب، وكتبت آلاف الكلمات كلها أنتِ، وتساءلت من تكونين أنتِ؟

وجاءني الرد صريحا بهمسات تنصب داخل قلبي قبل أن يخطها صديقي القلم على الأوراق:

         - أنا الوجد الذي يخلع قلبك عند الفراق

أنا الحنين الذي يستحث الدمع ساعتها

أنا الهوان الذي يتملك جسدك بعد الغياب

أنا التي أوحي بالهمسات وأنا التي أشعل النيران وأطفئها

أنا التي أحتل النوم والهذيان

أنا الجنون إذا غاب العقل، وأنا العقل إذا ندر الجنون

أنا التاريخ والحاضر حتى بعد الممات

فأنا في برزخ العمر إلى قيام الأموات

أنا التي تأمر القلب فيشتاق وأمره فيغلق الأبواب

أنا الأميرة على عرش استحقه، مصنوع من هوى أنت صانعه

أنا أنت وإن أردت رؤيتي فانظر إلى المرآة

- نظرت في المرآة ولكني ما رأيتني ... فأين أنتِ

- اشتر عينان أخريان غير اللتان حجب الزمان صورتي عنهما ... بدد غبار الأيام ستراني

- أشعر بدفء أنفاسك ولكنني ما زلت لا أراكِ

- تشعر بدفء أنفاسي الآن ... وماذا عن غبيرها؟

- يحمل الهواء عبقها ويملأ صدري ولكني لا أراكِ

- هل أغلقت أبواب قلبك كما أمرت ... أم أن هناك باب ما زال مفتوحاً للأغراب

- لا أستطيع الكذب وأنا في حضرة الهوى ... فقلبي لم يعد يستمع لأوامري ... ولقد كانت أوامركِ في وقت الضياع غير حازمة فتمرد القلب وأظنه لن يعود مغلقاً عليكِ كما كان

- لقد قصرت يا حبيبي في مهامك ووجب العقاب

- أنا لم أعد أحتمل العقاب، فغياب صورتي في المرآة أنساني العقاب ... ثم هل تعاقبين من أفنى العمر يزرع لكِ البساتين زهورا

- لقد عفوت ... وعليك أن تعفو ... فأنا ضعيفة أُجلد كل يوم بدونكِ

- هلّا أفصحتِ عن مكنون صدركِ لنقتسمه سوياً

- الآن أفصح ... فخذ قلمك واكتب

كتب القلم كلمات متناثرات لم يتآلفن في جمل، كلمات يفصل بينها مسافات كالتي بين السماء والأرض.

       - كتب القلم حرية

ثم كتب عبودية

كتب شوقا وعذابا

كتب نهرا وكتابا

كتب شجرا وأعنابا

كتب سطرا ثم نقطة ثم انتهى المداد

تأملت ما كتبت ولكني لم أستطيع أن أؤلفهن جملا، ولكن الكلمات لم تتركني لحيرتي كثيرا وقالت:

- الحرية هي ذلك المركب ذو المجدافين، والجناحان اللذان نبتا من روحك يوما

هي جنونك وصمتك ورحيلك إلى دنيا الأحباب

اكتب أنا حر ... ذو جناحان وقلب أرق من النسيم

أنا حر داخل ذاتي لا أُقهر من الأشياء

اكتب أنا وأنتَ في سياق واحد ومعنى واحد لجملة واحدة هي أنا حر

- رغم كل القيود أنا حر

رغم الخطايا والأعراف

رغم غلاظ القلوب والمشوهين

رغم النفوس الخربة والعقول الضائعة

رغم هذه القلوب التي تنعق فيها الغربان

رغم القداسة والطهارة المصنوعة من خيوط العنكبوت

رغم أنبياء ما هم بأنبياء وقديسون ما هم بقديسين، وآلهة يعبدون من دون الإله ...أنا حر

شاهد تعليقات: أو

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 

Copyright © 2016. بقلمي -جميع الحقوق محفوظة