الرئيسية » » المخاض

المخاض

بقلم Ahmed Negm الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013 | 7:36:00 ص

كان صباح هذا اليوم مختلفاً، لم يكن كأي صباحٍ مر على الشعب المصري منذ احتل الصهاينة أرض سيناء المباركة، خرج الجميع في هذا الصباح إلى أعمالهم و أمارات القرف على الوجوه، لا حرب أكتوبرترى ابتسامة واحدة حتى و لو مقتضبة، فأنى لهم الابتسام و الأرض مغتصبة

مضت ساعات الصباح، و أقبل الضحى عليهم و هم منهمكون في أعمالهم، أيديهم تعمل و عقولهم و قلوبهم هناك .....مع جنود الحق على الجبهة، مرت الدقائق ثقيلة على غير عادتها، حتى أوشكت الساعة أن تدق معلنة ببزوغ الفجر......تغيرت لهجة المذياع، فلقد تم قطع بث البرامج المعتادة و بدأت المارشات العسكرية، انتبه الناس و تركوا أعمالهم، و أسلموا آذانهم إلى المذياع ينتظرون تفسيراً لهذا التغيير المفاجئ المتوقع، لم يدم انتظارهم كثيراً، فما هي إلا دقائق إلّا و أعلن المذيع نبأ عبور قوات الشرف لقناة الفخر، و إحراز تقدمٍ سريع نحو كسر جبروت مصطنع لعدو جاهل مغرور، عمّت الفرحة أرجاء الوطن، فراح الناس يتعانقون في الشوارع، كان كل منهم يعانق أول من تقابله عيناه .....وسط ذهول و دهشة و ترقب من الجميع، فلقد سرى الخبر في الأمة كسريان النار في الهشيم، فلقد تنفست الأمة الصعداء أخيراً، و هبت نسائم الانتصار و الزهو و الفخار و كانت عليهم جميعاً برداً و سلاما.

حينما كان الجميع يحتفل، كان قلب سميرة يؤجل فرحته حتى تطمئن على الحبيب الغائب، زوجها الذي يصنع النصر مع العابرون للنصر، محطمين الأسطورة بيد من حديد، كان قلبها يتردد في صدرها ما بين الفرحة الكبرى و الانقباض لهفة على الحبيب، خيم الوجوم عليها و هي تتحسس بطنها المتكور الذي يحمل بذرة قد نضجت و قاربت على القطاف، و الآن ساعتها فلقد دق المخاض بقوة باب الأمل لينفتح الباب ليغمر النور المولود الجديد، صرخت بشدة فسمع صراخها جارتها، فأسرعت إليها و ساعدتها في الصعود لكي ترقد على السرير.

و على الجبهة...كانت القوات قد تقدمت بقوة داخل الأراضي المقدسة، تكسب خطواتهم أرضاً ترحب بالأقدام، التي غاب دبيبها المحبب لها كثيراً، كان الزوج في مقدمة جنود المشاة بالصفوف الأولى التي عبرت، حاملاً راية النصر و الحرية، منطلقاً كالغزال فوق أرض المعركة.

اشتد المخاض بسميرة، و مزق صراخها قلوب المجتمعين حولها، و هي تنادي على زوجها.

تقدمت القوات و اقترب فصيل الأحرار لبلوغ الهدف، و زرع زوجها راية الوطن خفاقة في رمال سيناء الطاهرة، فأنبتت أحلى نداء هز أركان المعركة، و خلع قلوب الأعداء، و تعاونت الحناجر جميعها على ترديد......"الله أكبر" ، تسابق الجند في تدمير الآليات التي كانت تحاول إفساد فرحتهم، و لكنهم كانوا أشد بأسا و ثباتاً و دمروا الكثير و فر من أمامهم الكثير، و في لحظة يائسة ألقى أحد الجند الفارين بقنبلة استهدفت حامل الراية فخر جريحا.

صرخة قوية و انزلق الوليد يصرخ، و استقبلته القابلة بيد من حرير، نظفته و وضعته في ملابسه الجديدة و كان يشبه أباه كثيرا.

التف الجند حول الزوج الجريح الذي ينازع الموت و هم يحاولون اسعافه، لم يستطيعون أن يثنوه عن طريقه نحو الجنة ، و أوصاهم أن يحكوا لابنه عن أبوه، و كيف مات شهيداً من أجل الحق، ثم أسلم الروح لباريها.

غاص قلب الام النفساء في صدرها بشدة، فصرخت صرخة مدوية، و تعجبت القابلة، أصرخة أخرى بعد انتهاء المخاض ! لم تكن تعلم أن هذه الصرخة خرجت من سميرة رغماً عنها، فهي الآن من المفترض أن تكون أسعد النساء فهي تضع مولودها المنتظر، الذي ينتظره الحبيب الغائب بكل شوق و لهفة ليشع النور بأركان البيت، و لكنه أتى بعد أن ودع أباه الدنيا ليحيا بنصره في الجنة مع من سبقوه في طريق الشهداء بعد مخاض طويل للأمة كلها.

16/12/2001

 

شاهد تعليقات: أو

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 

Copyright © 2016. بقلمي -جميع الحقوق محفوظة