الرئيسية » » سجن الروح

سجن الروح

بقلم Ahmed Negm الأحد، 13 مارس، 2016 | 2:54:00 ص

 

سجن الروح

روحٌها مسجونةٌ داخل جسد ضيق لا يناسبها، ونفسها قلقةٌ تتأرجح مع تقلبات الأيام، أحلام الانطلاق أكبر من مخزون القناعات ولذلك تعيش دائما في حلم.

بحثت عنه كثيرا ... رسمت صورته في مخيلتها ... كانت حذرة جدا في تفحص النفوس التي تُعرض عليها ... عشرات الضيوف قد زاروا عشها ولكنها كانت تطردهم جميعا؛ وذلك لأنهم جميعا لم يحققوا شرطا واحدا من شروط أسرها.

متمردة ... متحررة ... لكن داخل نفسها فقط، لا تستطيع أن تعلن هذا لأنهم دائما ما يلهبون ظهرها بسياطهم التي لا ترحم، أبواب وأبواب ونيران تشتعل تحت قدميها لا تستطيع إطفاؤها، وحدها من تعلم أن النهاية ليست بيدها، فقررت التخلص من الحياة وترسل الروح في رحلة طواف لتحقيق ما لم تحققه أثناء اتحادها بالجسد، حتى هذه المحاولة للتحرر باءت بالفشل الذريع، لقد أعادوها مرة أخرى لاستكمال الجلد ... فلقد بقى في جلدها بقعة لم تدم بعد .... مرت الساعات عليها كأيام والأيام كشهور والشهور كسنوات، حتى أنها نسيت إلى أين وصلت رحلتها، فأحلامها قلقة ... ويقظتها عذاب.

حتى جاء اليوم الذي كانت تنتظر، وجدته أخيرا، كان هو الآخر يبحث عنها ... وجدته مكبلا هو الآخر بأغلال ... اختار بعضها والبعض الآخر فرض عليه ... التقيا ففتحت بابا واحدا ولم تعترف أنها قد وقعت أسيرة هواه، استكثرت على نفسها أنها قد وجدت أخيرا أمانها ... فتعاملت معه بخوف وحذر شديدين، كانت تريده لزاوية واحدة منها، وبعد غيابها عنه تعود مرة أخرى لعذابها واحزانها ... وقالبها الذي صنعوه خصيصا لها، كان حتى مجرد اختراق القالب ممنوع عليه ... عليه أن ينتظر فراغها من معالجة الضغوط اليومية ... أن تقبل ما يريدون، أن تستكين ليرضوا عنها ... كانت تنتظر أن يتركوا الباب مفتوحا لبضع دقائق تتنفس فيها ثم تعود.

كان هو قد ولع بها ... واشتد أوار نار الهوى في قلبه فأعلن هذا ... ولكنها سمعت ولم تستجيب ... استمتعت وحدها بحبه ولم ترد جوابا، كان ردها الغياب .... الغياب الذي لم يجد له مبررا ... وكانت هي تعلم جيدا أسبابه ... آثرت البعد خشية فقدانه ... آثرت بقاء الأمل في العودة على الاستمرار في القرب الذي كان محكوما عليه بالفشل ... لخوفها من نفسها ومن سلطان الشر على مقدرات حياتها، فهي ضعيفة من كثرة ما حاربت ... كلت يداها من دفع السيوف عن عقلها ... آثرت البعد ليهنأ هو وتستمر حياته بدلا من فقدانه للأبد.

استسلمت خلال غيابها عن عينيه –فهي لم تغب عن قلبه ولا لحظة-لجيوش المرض وجحافل الدعة والهوان، استسلمت لفراشها تبثه آلامها التي هدمت كثيرا من معالمها بل غيرت خارطة جسدها ... استسلمت غير عابئة إلى أين يوصلها هذا الاستسلام، وهو كان هناك لا يدري ولا يستطيع حتى تلبية نداء دموعها، ثم حانت ساعة تجدد الآلام ... كان اختيارها أن تعود إليه ... اشتاقت ... ربما ... اغلقوا النافذة الوحيدة التي تتنفس منها ... ربما ... أرادت هدم هذا الجدار الرقيق الذي يفصلهما ... بحثت كثيرا حتى وجدت دليلا عليه، تتبعته ... وكانت دهشتها أنه كان هناك ينتظر بكل الشوق لصوتها ... عادت بكل قوتها ... بكل مخزون الأيام من الآهات والأشواق التي عانتها وحيدة، ولكنها اكتشفت أنه قد عانى أكثر مما عانت وبطريقة أصعب كثيرا، ولو أنها كانت في عيون الناظرين هينة، فسجن الروح في قفص الجسد ليس هينا أبدا، ومن كان على شاكلتهما لا يستطيع الاستمرار في الحبس ففيه دماره وفنائه.

استسلمت أخيرا لقلبها ... وساعدها أنه لم يدخر وسعا في ايقاظ الحب المدفون داخله لها ... أعانها على تجاوز الخط الوهمي الذي وضعته لنفسها، أعانها على تجاوز تحفظها تجاهه ... حتى نطق لسانها بما يلح قلبها عليه ... الحب ... كان الحب هو القاسم بينهما.

ظن أنه ملك الدنيا ... أن السعادة قد قررت مصالحته وترطيب أيامهما ... ولكنها كانت تختبئ كثيرا داخل نفسها .... خوفها أصبح رعبا ... وأسوار سجنها كانت أعلى من كل قفزاتها الواهنة، لم تستطع أن تمنحه إلا القليل مما ينشد معها ... كان رغما عنها أنها لم تسلم كل ما عندها إليه ... لقد انفضح أمرها ونصبوا لها المحاكم ... كانت تهمتها التجرؤ على مغادرة السجن، ومخالفة قوانين الحصار ... فأسلموها لسجان لا يعرف الرحمة، قطع كل الموصول بينهما حتى الآهات والدموع، والتي لم ينل إلاها، حتى هذه قد مُنعت عنه أيضا، ولم تستطع أن تفسر له ما يحدث، وتمنى هو الغياب من جديد، وترتيب الحقائب والسفر إلى عالم آخر لا يعرفه فيه أحد ... أما هي فغابت في سواد كاتم لا يستطيع أقوى شعاع النفاذ منه، اصطنع أمام نفسه الثبات ولقوة حتى يستطيع إكمال مسيرة الحياة المفروضة عليه، فلقد انتهت حياته ساعة انوت مرة أخرى في طيات سجنهم الشديد الأركان، هو الآن شخص آخر ... لا يريد الحياة ولا يريد منها شيء، فكل ما كان يريده منها ضاع ... وهي قد ربت عن حياته ... فالأمل حتى في لقائهما مرة أخرى أصبح كبزوغ الفجر في منتصف الليل.

شاهد تعليقات: أو

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 

Copyright © 2016. بقلمي -جميع الحقوق محفوظة