الرئيسية » » البريق الكاذب

البريق الكاذب

بقلم Ahmed Negm الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013 | 6:51:00 ص

البريق الكاذب

كان يجلس على مقعده يملؤه غرور الشباب، في ذلك المقهى الكبير الذي يشرف على الميدان الحسيني يحتسي كوباً من الشاي، و على الرصيف المقابل كان يجلس هذا الرجل رث الملابس، و كثير من المسبحات الغليظات الحبات تطوق عنقه الذي انحنى من وطأة ثقلهن، كانت عينا الرجل تشعان بريقاً غامضاً و هو ينظر متفحصاً المارين أمامه، التقى ناظريهما فأحس بقشعريرة تتملكه من أعلى رأسه إلى اخمص قدميه، استمر هذا التواصل البصري لدقيقة أو دقيقتين، حتى باغته الرجل بإشارة توحي له بأن يأتي إليه، نظر الشاب حوله يمنة و يسرة ليتأكد أنه هو المطلوب، فأومأ إليه أنه يريده هو، فقام من على كرسيه كالمنوم أو المشدود بقوة خفية لا يعلمها....و ما أن وصل إليه حتى باغته:

- لماذا تنظر إليّ هكذا....أتعرفني ؟

- لا....و لكن....

- و لكن ماذا ؟....أفصح يا ولدي

- أتريد الحق....لقد أسرني هذا البريق الذي يشع من عينيك

- يا بني لا يخدعنك البريق.....فلربما كان كاذباً ....أو أنك تتوهم و لا ترى إلا بعين غير منصفة ما تريده أنت

- سيدي.....عجيب كلامك لا أكاد أفقه منه شيئاً

- لا عليك....فأمامك أيام كثيرة تتعلم فيها الكثير....قل لي ما اسمك؟

- اسمي صلاح

- صلاح ابن مسعود أليس كذلك؟

- (متعجباً) و كيف لك أن تعرف؟

- لا تسأل يا بني، لعل بسؤالك تعلم أشياء ما كان ينبغي لك أن تعرف فتندم ساعة لا يفيد الندم...

- اعطني كفك يا صلاح

- كفّي !.....و لماذا؟

- لن تندم....اعطني كفك

مد الشاب يده فما ان استقر كفه بكف الرجل حتى أحس بقشعريرة تتملك جسده كله، ثم أحس بدوار خفيف حتى كادت قدماه أن تخورا، ظل الرجل يتفحص كفه لثوانٍ ثم قال:

- هممممم......كفك غريب يا ولدي

- غريب كيف....ماذا ترى يا سيدي؟

- كفٌ مثقوب...ستكسب الكثير يا بني....الكثير الكثير

انفرجت أسارير الشاب كثيراً و بدأ الاطمئنان و الامتنان يسري في أوصاله ثم أردف يقول:

- أكمل يا سيدي.....لماذا توقفت ؟

- و هل ستتحمل ما سأقول ؟

- إن كان مثل ما قلت فلا تتوقف و اسرد علي كل حكاياتك....

- ستخسر كثيراً أيضاً يا ولدي....على قدر ما تكسب ستخسر

- كيف يكون هذا ؟

- كما أقول لك....ستخسر على قدر ما تكسب و لكن حذاري أن تخسر نفسك

- و هل يظهر كل هذا بكفي ؟

- لا يعلم الغيب إلا الله....و ما أنا إلا بقارئ لما خطته الأقدار بكفك، و لا تخشى القادم ما دمت تتحلى بالصدق

- و أنى لك أن تعرف أنني أتحلى بالصدق ؟

- عيناك تفضحانك.....أنت لا تصدقني و تستخف بكلماتي و يظهر هذا جلياً في نظرتك لي، و لكن لا بأس....فهذا دليل صدقك، و لو كنت متلوناً ككثيرون ممن يصبحون بلون و يمسون بآخر لكنت استطعت الإيحاء بنظرات خادعة.

- معك كل الحق يا سيدي.....أشهد لك بالبراعة

- آخر نصحي إليك.....لا نخجل أبداً في طلب الحق....بل كن قوياً مصراً على حقك حتى يأتيك

صمت الشاب لبرهة ثم ما لبث أن سحب كفه من كف الرجل، ولم يمانع الرجل في ذلك، و ثم أتبعه الرجل بنظرة ثاقبة أحس أنها اخترقت قلبه.....كشف بها عن مكنونه...فما كان منه ان التفت عنه سريعاً خشية أن يفضح ما تبقى من أسرار، ظل في دواره لحظات أخرى ثم التفت نحو الرجل فجأة و قال:

- سيدي....لم أدر لماذا استسلمت لك هكذا، و لكن أحب أن أقول لك أنت قد أصبت وتراً في نفسي لم يمس من قبل، و أشهد أنني كنت مستخفاً بك و لكن...

- لا تكمل يا بني...اذهب في رعاية الله.

أخرج الشاب بعضاً من المال ليعطيه للرجل الذي بادره:

- اذهب يا بني فأنا لست أجيرك... و لم أنتظر مقابل لنصحي.....إنما هي الأقدار التي جمعتنا اليوم....

تركه الشاب و التفت عنه منصرفاً من أمامه و سار حتى وصل إلى كرسيه و كوب الشاي الذي ينتظره، جلس على مقعده و أرسل بصره ليودع الرجل بنظرة أخيرة و لكنه لم يجده ، و ظلت كلماته تدور في رأسه كالنحلة " يا بني لا يخدعنك البريق.....فلربما كان كاذباً ....أو أنك تتوهم و لا ترى إلا بعين غير منصفة ما تريده أنت"

9/6/2001

Ahmed Negmeldeen ‫‬

شاهد تعليقات: أو

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 

Copyright © 2016. بقلمي -جميع الحقوق محفوظة