الرئيسية » » الثورة القادمة

الثورة القادمة

بقلم Ahmed Negm الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013 | 7:08:00 ص

 

الثورة القادمة

سؤال يتردد بقوة الآن هل مصر مقبلة على ثورة جديدة؟

الإجابة بالطبع ليست ببساطة السؤال، ولكن يمكننا النظر ملياً في المشهد الراهن لنحاول الإجابة على هذا السؤال، وسنبدأ بتجريد المشهد من الأشخاص وسنتناول المشهد العام لنرى هل المعطيات تؤدي إلى ثورة ثالثة أم لا.

هذا الوطن الذي طالما اتسع لكل المختلفين فكريا على مر العصور منذ ما قبل كتابة التاريخ لن يرضخ بحال من الأحوال لفكر واحد، خاصة إذا كان متطرفاً، ولا أعني هنا بالتطرف التطرف الديني فحسب، بل أعني به كل أشكال التطرف، التطرف السياسي الذي يذهب إلى أقصى يسار المشهد أو إلى أقصى يمين المشهد، وبنظرة سريعة فاحصة نستطيع التفريق بسهولة من ينتمي إلى أقصى اليمين أو إلى أقصى اليسار، هذا الوطن كان وما يزال وسيظل وسطيا، وسطياً في معتقداته وكذلك في انتماءاته السياسية، فبنظرة متعمقة للتاريخ ستجد أن هذا الوطن لم ينحرف إلى ركن متطرف ولم يحمي يوما فكرا متطرفا أو يخرج من بين عقول أبناؤه مفكرا دعا إلى احتقار الآخر أو التعدي على حريته، ولكنك ستجد الوسطية هي السمة الغالبة على هذا الشعب منذ فجر التاريخ مرورا بعصور تنزل الرسالات السماوية وحتى الآن، فلا عجب إذن أن تجد الأزهر الشريف –منارة الإسلام الوسطي في العالم- في مصر، وأن تجد ممثل المسيحية الوسطية متمثلة في مصر، وأن المسيحية في مصر ليست كمثيلاتها في أنحاء العالم، فهي في مصر تعد نموذجا للتعايش السلمي والروحانية المفتقدة في كثير من الحضارات المادية التي تتمسح فيها في أغلب دول العالم، وحتى في السياسة فلم يمر على مصر حكما متطرفا قط يحكم بالدين، ولا أنزه السياسة من التطرف في بعض الأحيان في مصر، ولكنها كانت فترات في عمر الزمان لا تذكر، حتى ومصر تُحكم بحكم متوارث ملكي في العصور القديمة كانت حرية الحركة للجماهير مكفولة، فلقد وصلنا أخبار عن قيام ثورات اجتماعية في العصور القديمة، وكانت هناك اعتصامات فئوية تُطالب بحقوق العمال في العصور الملكية القديمة، ولنا في قصة الفلاح الفصيح خير مثال.

حدثت أول ثورة اجتماعية شعبية في العصر الفرعوني في أواخر حكم الملك بيبي الثاني، وكانت بسبب انتشار الفساد وضعف وغياب الملك عن تسيير مقدرات شعبه وانتشار الفوضى الإقطاعية بالبلاد خلال حكمه الذي استمر قرابة 90 عاماً، وسيادة سيطرة حكام الأقاليم في البلاد وتسكين ذويهم من الأبناء والأقارب في وظائف الدولة وتفشى الثراء الواضح بين هؤلاء الحكام واحتكارهم بشكل أو بآخر لثروات البلاد، وما نتج عن هذا كله من طبقية واضحة بين الفقير الكادح والغنى، فهل ترى تطابقا مع حال البلاد في العصر الراهن؟ وهل ترى أن ثقافة الاحتجاج والثورة على الحاكم –حتى ولو كان نصف إله كما في معتقدات المصريين القدماء-كانت موجودة بل كان الشعب المصري هو أول من أصل لها في التاريخ

ولقد كانت أسباب الثورة على الحاكم تختلف باختلاف الزمن والسبب وظروف البلاد الاجتماعية، ونستطيع أن نصنف الثورات في مصر القديمة إلى:

الثورة الاجتماعية، الثورات ضد الأجانب، الثورات الدينية، الثورات الاقتصادية

ثورات حديثة:

ثورة القاهرة الثانية في مارس 1800، مظاهرة فبراير 1881، ثورة عرابى1881، ثورة سعد زغلول 1919، ثورة 23 يوليو لعام 1952، انتفاضة عام 1977.

ثم قامت الثورة ضد الفساد السياسي والمالي لنظام حسني مبارك في 25 يناير 2011 والتي خرج فيها الشباب المصري لمحاولة تغيير منهج القمع البوليسي ضد الأبرياء من الشعب، ثم تطورت الأحداث فأصبح مطلب تغيير النظام بالكامل هو المطلب الشعبي الأول، حتى كان لهم أن تنحى حسني مبارك عن الحكم وفوض المجلس الأعلى للقوات المسلحة في حكم البلاد، ثم تمت سرقة مكتسبات الثورة من قبل فصيل لا تنتمي أفكاره للوطن وهم "الإخوان المسلمين" بمساعدة من قوى الاستعمار القديم والحديث، حتى اغتصبوا حكم مصر بتزوير إرادة المصريين بدغدغة مشاعرهم بالدين وحكم الدين للدولة، وداعبوا أحلام الفقراء بالعيش الرغد وبالأمن المفقود الذي تفانوا في جعله مفقودا طول الوقت ليظل عنصرا ضاغطا على الدولة المصرية اقتصاديا، ولمن هذا كله انكشف في خلال عام، وظهرت حركة تمرد التي جمعت توقيعات الشعب المصري لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ولكن هذه الفئة تعنتت على لسان ممثلهم في القصر الرئاسي ورفضوا كل الحلول التي طرحت عليهم، فما كان من الشعب المصري أن خرج عن بكرة أبيه في الثلاثين من يونيو 2013 بأكبر تظاهرة في التاريخ ضمت أكثر من 30 مليون في كافة أرجاء الوطن، في كل شوارع وحارات وأزقة مصر، بل في كل قراها شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وبالطبع لم يعجب هذا التنظيم الإخواني في الداخل والخارج فأشعل نار الفتنة في أرجاء الوطن ممولا بأصدقائه وحلفائه من الدول الكارهة لمصر والساعية لتدميرها، فتجمعوا في اعتصامين مسلحين بأسلحة خفيفة ومتوسطة، متحدين جموع الشعب الرافض لهم، فعذبوا من اختطفوهم لداخل هذه الاعتصامات، وقتلوا من لا يستجيب لهم، ثم هددوا علانية بدمار البلاد ونفذ حلفاؤهم في سيناء خاصة وعموم مصر عامة سلسلة من الأعمال الإجرامية الإرهابية لإثناء الشعب المصري متمثلا في جموعه التي خرجت رافضة وجيشه وشرطته، وجاهروا بالعداوة وترهيب الجميع ومارسوا كل أعمال الإرهاب التي قتلوا وحرقوا خلالها الأبرياء من المصريين، ولهذا فثورة الثلاثين من يونيو كانت تختلف عن كل الثورات التي حدثت في مصر منذ فجر التاريخ وحتى الآن، فهذه الثورة الأولى التي تقوم على فئة من الشعب خرجت على الإجماع الوطني وتجردت من كل معاني المصرية وتعاونت مع أعداء الوطن باستدعائهم لاحتلال الوطن، وسعيهم الحثيث لتقويض أركان الدولة وهدم قوتها العسكرية التي هي حصن الوطن ضد أعداؤه، فلأول مرة في تاريخ مصر بل في تاريخ العالم كله تجد فريق ضال من شعب يريد لبلاده أن تنكسر وأن يحتلها الآخرون، بل يستدعونهم ويساعدونهم بإثارة القلاقل وضرب وحدة البلاد الاجتماعية حتى تكون جاهزة للاحتلال العسكري وتنفيذ مخطط الاستعمار القديم بتفتيت هذا الوطن المتماسك بطبيعته التي خلقه الله عليها.

دعونا الآن ننظر للصورة الآن وبعد مرور ما يقرب من الأربعة أشهر على عزل منسوبهم عن رئاسة مصر.

من الآن في معسكر الوطن؟ ومن هو في معسكر هدم الوطن؟

من هو في معسكر الوطن هو من ينفذ أوامر الوطن بتطهير البلاد من هؤلاء المحتلين للوطن

ومن هو في المعسكر الذي يريد هدم الوطن هو كل من يعتبر ما يحدث ما هو إلا محض تعبير عن الرأي حتى ولو حمل السلاح وقتل وحرق، بل يسعى لإدماج هؤلاء المعتدون على الوطن في سياسة حكم البلاد مرة أخرى، من يهتز لنزيف دماء الإرهابي ولا يهتز لدماء الأبرياء الذين يسقطون كل يوم بسلاح هؤلاء، من يخشى إغضاب أسياده الذين هم أسياد هذا التنظيم الإرهابي ويتوخى حقوق الإرهابي في القتل ويرفض أن تتعامل معه الدولة بحسم للحفاظ على أمان السواد الأعظم الرافض للإرهاب.

فلينظر كل من هم في الحكم الآن ومن هم خارجه ممن يعملون في السياسة، وزعماء الأحزاب المزعومة، فلينظر هؤلاء إلى أي معسكر ينتمي، وليعمل الجميع العقل وليبتعدوا عن تقديس الأشخاص والأفكار، ففكرة الوطن لا تحتمل المزاح أو المناقشة، إما أنت مع الوطن أو ضده، إما أنت مع الحق أو ضده، وأظن أن الحق بين والباطل بين وواضح كقرص الشمس في كبد السماء.

ويتبقى سؤال كنا قد بدأنا به، هل هناك ثورة قادمة، بالنظر لكل معطيات الصورة التي وضحناها وتاريخ الثورات في مصر لوجدنا أن هناك إمكانية لحدوث ثورة جديدة مصر في حال إصرار من هم في الحكم الآن على انتهاج مبدأ المصالحة مع الإرهاب وتبرير أفعاله بالصمت والتراخي الشديد في الضرب بيد من حديد على يد الإرهاب وتجفيف منابعه المادية والفكرية.

ثم تبقى أمنية أن ينصاع السياسيون الذين يضطلعون بحكم مصر الآن لأمر الشعب المصري بالقضاء على الإرهاب، وإلا خرج للقضاء عليهم هم والإرهاب أيضا، وأظن خروج الشعب هذه المرة سيكون دمويا، فلا حول ولا قوة إلا بالله هو الحافظ والحامي لهذا البلد الأمين رغم أنف الإرهاب ومعاونيه، وسيعلمون أي منقلب ينقلبون، إن الله يمهل الظالم ليعود عن ظلمه حتى إذا استوفى الحجج أخذه، وأخذ ربك أليم شديد.

القاهرة في 22/10/2013

Ahmed Negmeldeen ‫‬
شاهد تعليقات: أو

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 

Copyright © 2016. بقلمي -جميع الحقوق محفوظة